فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
قال صاحب " الكشاف " ويقوي هذا الوجه قراءة أبي * ( لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون ) * . الوجه الثاني : في هذه القراءة أن تجعل * ( لا ) * صلة ومثله * ( ما منعك ألا تسجد ) * ( الأعراف : 12 ) معناه أن تسجد وكذلك قوله : * ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) * ( الأنبياء : 95 ) أي يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج ، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغواً يكون لغواً على جميع التقديرات ومن قرأ * ( إنها ) * بالكسر فكلمة * ( لا ) * في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغواً . قال أبو علي الفارسي : لم لا يجوز أن يكون لغواً على أحد التقديرين ويكون مفيداً على التقدير الثاني ؟ واختلف القراء أيضاً في قوله : * ( لا يؤمنون ) * فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله : * ( وأقسموا بالله ) * إنما يراد به قوم مخصوصون ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) * وليس كل الناس بهذا الوصف ، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بالمخاطبين في * ( تؤمنون ) * هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون ، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله : * ( وما يشعركم ) * للكفار الذين أقسموا . قال مجاهد : وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ، وهذا يقوي قراءة من قرأ * ( تؤمنون ) * بالتاء . على ما ذكرنا أولاً : الخطاب في قوله : * ( وما يشعركم ) * للكفار الذين أقسموا . وعلى ما ذكرنا ثانياً : الخطاب في قوله : * ( وما يشعركم ) * للمؤمنين ، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون ؟ المسألة الرابعة : حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا ، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك ، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب . قال الجبائي والقاضي : هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال . الحكم الأول أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة ، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة ، لأنه إذا كان تعالى لا يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظماً مستقيماً ، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة .